فخر الدين الرازي
65
تفسير الرازي
المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : ( فاعف عنهم ) فيما يتعلق بحقك ( واستغفر لهم ) فيما يتعلق بحق الله تعالى . المسألة الثالثة : ظاهر الأمر للوجوب ، والفاء في قوله تعالى : * ( فاعف عنهم ) * يدل على التعقيب ، فهذا يدل على أنه تعالى أوجب عليه أن يعفو عنهم في الحال ، وهذا يدل على كمال الرحمة الإلهية حيث عفا هو عنهم ، ثم أوجب على رسوله أن يعفو في الحال عنهم . واعلم أن قوله : * ( فاعف عنهم ) * إيجاب للعفو على الرسول عليه السلام ، ولما آل الأمر إلى الأمة لم يوجبه عليهم ، بل ندبهم إليه فقال تعالى : * ( والعافين عن الناس ) * ليعلم أن حسنات الأبرار سيئات المقربين . وثانيها : قوله تعالى : * ( واستغفر لهم ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : في هذه الآية دلالة قوية على أنه تعالى يعفو عن أصحاب الكبائر ، وذلك لأن الانهزام في وقت المحاربة كبيرة لقوله تعالى : * ( ومن يولهم يومئذ دبره ) * إلى قوله : * ( فقد باء بغضب من الله ) * ( الأنفال : 16 ) فثبت أن انهزام أهل أحد كان من الكبائر ، ثم إنه تعالى نص في الآية المتقدمة على أنه عفا عنهم وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالعفو عنهم ، ثم أمره بالاستغفار لهم ، وذلك من أدل الدلائل على ما ذكرنا . المسألة الثانية : قوله تعالى : * ( واستغفر لهم ) * أمر له بالاستغفار لأصحاب الكبائر ، وإذا أمره بطلب المغفرة لا يجوز أن لا يجيبه إليه ، لأن ذلك لا يليق بالكريم ، فدلت هذه الآية على أنه تعالى يشفع محمداً صلى الله عليه وسلم في الدنيا في حق أصحاب الكبائر ، فبأن يشفعه في حقهم في القيامة كان أولى . المسألة الثالثة : أنه سبحانه وتعالى عفا عنهم أولا بقوله : * ( ولقد عفا الله عنهم ) * ( آل عمران : 155 ) ثم أمر محمداً صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بالاستغفار لهم ولأجلهم ، كأنه قيل له : يا محمد استغفر لهم فاني قد غفرت لهم قبل أن تستغفر لهم ، واعف عنهم فاني قد عفوت عنهم قبل عفوك عنهم ، وهذا يدل على كمال رحمة الله لهذه الأمة ، وثالثها : قوله تعالى : * ( وشاورهم في الأمر ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : يقال : شاورهم مشاورة وشواراً ومشورة ، والقوم شورى ، وهي مصدر سمي القوم بها كقوله : * ( وإذ هم نجوى ) * ( الإسراء : 47 ) قيل : المشاورة مأخوذة من قولهم : شرت العسل أشوره إذا أخذته من موضعه واستخرجته ، وقيل مأخوذة من قولهم : شرت الدابة شورا إذا عرضتها ، والمكان الذي يعرض فيه الدواب يسمى مشواراً ، كأنه بالعرض يعلم خيره وشره ، فكذلك بالمشاورة يعلم خير الأمور وشرها .